السيد كمال الحيدري

103

دروس في التوحيد

" حيواناً " . أما ما هي حقيقة الحياة ؟ فهي مجهولة الكنه ، وهو ما أجمع عليه الباحثون من الفلاسفة والمتكلمين . ولا يخفى أن هذا الجهل بحقيقة الحياة لا يقتصر على صفة الحياة عند الواجب تعالى ، وإنما يمتدّ ليشمل مطلق الحياة ، فالحياة مجهولة الكنه مفهوماً ومصداقاً . لكنا وإن عجزنا عن معرفة حقيقة وكنه الحياة ، إلّا أننا نعرفها من خلال آثارها ، وهما العلم والقدرة على الفعل . 2 . الأدلة على أن للواجب تعالى حياة يمكن إقامة دليلين على حياته تعالى : الدليل الأول : أننا نجد من أنفسنا أن العلم والقدرة زائدتان على ذواتنا وبواسطتها تتّصف بالحياة ، فبالأولوية القطعية تثبت الحياة لمن كان العلم والقدرة عين ذاته ، وهو الواجب تعالى ، فالواجب تعالى له حياة ، لكن بعد حذف النواقص والزوائد الخاصة بالموجودات الإمكانية ، لتكون منسجمة مع الذات الواجبة ومقامها الأسمى . قال صدر المتألهين : " الحياة التي تكون عندنا في هذا العالم تتمّ بادراك وفعل ، والإدراك في حقّ أكثر الحيوانات لا يكون غير الإحساس ، وكذا الفعل لا يكون إلّا التحريك المكاني المنبعث عن الشوق ، وهذان الأثران منبعثان عن قوّتين مختلفتين إحداهما مدركة والأخرى محرّكة . فمن كان إدراكه أشرف من الإحساس كالتعقّل ونحوه ، وكان فعله أرفع من مباشرة التحريك كالإبداع وشبهه ، كان أولى بإطلاق اسم الحياة عليه بحسب المعنى . ثم إذا كان نفس ما هو مبدأ إدراكه بعينه نفس ما هو مبدأ فعله من غير تغاير حتى يكون إدراكه بعينه فعله وإبداعه ، فهو أيضاً أحقّ بهذا الاسم ، لبراءته عن التركيب ؛ إذ التركيب مستلزم للإمكان والافتقار ، لاحتياج المركّب في قوام وجوده إلى